يخطئ من يحسب الكتابة على أنها مهنة يمتهنها الكاتب عالما كان أم جاهلا ، إن الكتابة موهبة لا بل هي كنهٌ نفسي تتنفس عبرها هموم العقول وأرواح القلوب . الكتّاب الكِبار على مر مختلف العصور لم تنجح كتاباتهم فقط لأنهم يجيدون صياغة الكلمات وتنسيقها وتنميقها أو لأنهم يجيدون النثر والرصع . نجاحهم قائم ذلك أن كتاباتهم نابعة من أعماقهم بصدق ، هم لم يكتبوا ليلمزوا بالكتّاب . هم يكتبون لأنهم يتنفسون بالكتابة وبدون الكتابة يموتون . يكتبون لأن بالكتابة يعبرون عن مشاعرهم وعن ما يختلج أشجانهم . الهموم والأفكار هي من تحرك مدادهم لا الأوهام وحب الظهور . لكي تكون كاتبا مميزا عليك ان تسأل نفسك أهم سؤال الا وهو : لماذا تكتب ؟؟ (فكر بعمق قبل أن تجيب )
لنتذكر أن أهم ما يميز نجاح أي كاتب هو متانة المنبع الذي يكتب به ، ان وَجدت هذا المنبع داخل ذاتك فلن تكون بحاجة لمن يقّوم لك كتاباتك لأنك ستجد من هو أكبر من أي كاتب الا وهي ذاتك الكاتبة ، ولنتذكر بجانب ذلك بان للأقلام كلمة وأن للكلمة أقلام متى ما اجاد الكاتب صحبة الكلمة ومجالستها كان له ما اراد من رَوح العقول ودماء القلوب . حدد المنبع وقرر إن كنت تود الخوض في بحر الكتابة على ان تتحمل عواصف البحر ورعونته وأن لا تثنيك الشدائد عن الوصول لمراميك .
الكتّاب حولنا وخصوصا في منتدياتنا وكما أراهم فهم ثلاثة أصناف :
الصنف الأول : كتّاب الذات العليا ، يتربعون على صولجان أرقى مراتب الكتابة ، كتاباتهم ما هي الإ حمايةً للمبادئ العليا وللقيم والفضائل والشمائل ، تحركم هموم وأفكار واسعة لا يحدها بُعد مكاني فهم لا يعملون إلا لما فوق المكان ، يعملون لأجل الحس البشري ولأجل أن يبقى هذا الحس سالما من النوائب والصروف ، من سماتهم أنهم يموتون لأجل أن تعيش أفكارهم ويقدمون دمائهم ولحومهم لأجل أن تبقى كلماتها حيةً بعد ذهاب أجسادهم ، لا يتنازلون عن كلمة الحق وإن كان في ذلك هلاكهم . أحرفهم صُهرت ثقافتا وقُتلت صدقا ، تحيى أقلامهم لغاية تبلُغها في النهاية أو تموت في سبيلها . وهم وكما أرى قليلون .
الصنف الثاني : كتّاب الذات الوسطى ، يكتبون عن هموم حياتيه وقضايا إجتماعية آنية الوقوع ، يعملون وفق بُعد مكاني محدود وليس لهم توجه للعمل لما بعد المكان ، كتاباتهم لا تلائم ثقافة العلم بقدر ما تلائم مسلك الحياة . كتاباتهم زاوية ضيقة إلا انها ليست معدومة التأثير . وهم وكما أرى فئة غالبة .
الصنف الثالث : كتّاب الذات الدنيا ، كتاباتهم خاوية على عروشها ، ما كتاباتهم إلا كتابات زائفه ومشاعرهم ما هي إلا صنعة مصطنعة وليس لهم في بحر العلم حِملُ ذرة . يقتلون القراء بكتاباتهم ويهتكون معالم العلم بجهالتهم . آن لهم أن يمسكوا القلم جيدا أو أن يعدلوا عنه .
إن كنت بحق تعقل ما للكتابة من منزلة فلا تتخذها منهجا وسبيلا لتُرصّع وتنثر عبرها أحرفا جاهلة لا حياة فيها ، أكتب لتتنفس ومت لتتنفس كلماتك .